Featured

بين العاطفة والعقل

 

E66E35E5-91A1-4D56-BF51-6B10D6D5A9ED.jpeg

على أرض الخيال المزعُوم وفي يومٍ عشوائي من أيامِ السنة الهجرية وبينما يسيرُ كل من في المعمورة كما خطط لهُ أن يعيش، التقى العقلُ والعاطفة لإثباتِ حقيقةٍ واحدة غير قابلة للنقض، في نهار يوم مقدس لدى عقيدة كل منهما وبعد إنتهاء أداء فروضهما الدينية، وتحت شجرةٍ مترامية الأطراف وبينما كان حفيفُ الشجر هي الموسيقى الوحيدة التي تشغلُ هذا المكان، كان العقل يذرعُ تلك الأرض الخضراء النضرة جيئة وذهابًا، وبينما هو يدندن بنغماتٍ متفاوتة غير مفهومة، إذا به يصطدمُ وتنزلقُ ساقه بجذع شجرة قد قُطعت قبل أن تخضر ثمارها ويتغنى أكليها بها، لم يستفق العقل إلا على آلام انتشرت حول الساق وعند مقدمة القدم وقد جعلتهُ طريح هذه الأرض.

ضحكاتٍ متتابعة استدار على إثرها العقل وبصوتٍ ناعمٌ و رقيق قد قيل:غير معقول! هذا أنت أيها الجبارُ المتكبر، ولكنك تتألم هنا هذه المرة؟ فكيف تمثل دورًا لا يُشبهك؟ إنك دائمًا كما عهدتُك تعيش منصاعًا لأومراي، بينما لايوجد إنسيٌ إلا وقد هجرك في نهاية الأمر!

يرد العقلُ بينما يفتعل ابتسامة الرضا:الحمدلله خلتكُ قد تصيرتي شيئًا لم أعرفه بعد، لكن ها أنا وقد وصلتُ إليك بعد هذه الآلآم المبرحة، أخبريني ياعاطفة ماالمضحك من شقائي؟

ترد الأخرى بينما تداعبُ خصلات شعرها بيدها بحركة لا إرادية: ألم أقل لك ياعقل من قبل بأني أتلذذ برؤيتك تتخبط يمينًا وشمالاً بين قرارات هوجاء وأخرى من بنات أفكارك، ولكنك وبالرغم من كل هذا لك مدّعين كُثر، يحاولون بكل مالديهم التسلق على أكتافك.

امتعض العقلُ وهو يسمعُ العاطفة وقد رشقته بكلماتٍ جارحة: ألم يكفيك ما ألحقتي بالعالم من ضرر؟ أتعتقدين بأنك تمارسين دورك بينما أنتِ جاهلة بحجم الدمار التي خلفتها ذبذباتك في هذه الكائنات المسكينة التي أمست ضريرةً بأمراض عصر لا علاج لها؟ هل أنتي سعيدة أيتها البلهاء فالجميعُ يقتات على حزنك وشتات حالك، بينما السعادة هي مادة اللاشعور وأجزمُ بأنها لحظية وتكاد توجد كما أن لا أبدية لها، أنتي ضريرة ولا ترين الحقيقة كما ينبغي، دعيني لا أعبثُ بك أكثر وأؤكد لك بأن الجميع يهربُ منك دائمًا إليّ.

تجهّم وجهُ العاطفة بعد ذلك الوابل من الكلمات ولكنها استعادت طاقتها بضحكة ساخرة أتبعتها قائلة: أتنكر بأنك من سحب الضعفاء والمساجين إلى المصحات العلاجية والسجون! أنت داءٌ لا دواء ولا خلاص منه، إنك يا أيها العقل أساسُ الإنسان ومصدره ولكنك تنهيه وتجعله بلا وجود وبلا هوية تُذكر.

انكفأ العقُل وقد غطا كلتا يديه بوجهه قائلًا: اسمعي كلماتي هذه وإن كانت جارحة، فهي ستفيدك حتمًا أنتِ كمن حجب الحقيقة عن عينيه وتخيّل زيف الخيال الأحمق يتقهقر أمامه، أنتِ مخدوعة وتخدَعين ويعلم الله حجمَ مغالاتك وجُبنك، إنك تضاعفين المشاعر والأحاسيس حتى تتكون سلسلة جبال قاهرة لا تردع، إنك على مقولة القائل:”تكذبين كذبتك وتصدقينها”.

تسمرت العاطفة مذهولةً بعدما أدركت حقيقتها أمامها لقد كادت تنهارُ بلا رحمة على هذه الأرض ولكنها قاطعت العقل قائلة: كفاك!  أيها الخائن لا أخفيك حقيقة أنني أتهاوى الآن على هذه الأرض ولا قوة لي بالصمود أكثر، أنا أنهار الآن ياعقل.

ولم تكد تكملُ العاطفة جملتها الأخيرة حتى تهاوت بجسدها على الأرض طريحة انفعالاتها الزائدة، لم يرتبك العقلُ كثيرًا، لقد توقف وببلاهة منه قام العقل بصفعها على وجهها مرتين حتى استفاقت وهي ترميه بكلماتٍ نابية: أيه المشعوذ المغرور ها أنت وقد جرتك العادةُ إليّ!

ارتفع صوتُ العقل بضحكات لم يستطع عبثًا كتمانها: يامجنونة إنك تريني بمنظارك الذي لن أستطيع ولو قطعتُ الأرض مشيًا أن أنظره كما تنظريني به، لم يدفعني شئٌ إليك غير مودة أفكاري وحب الاستطلاع ياعاطفة، أنا لستُ من يحكمني لدي أجزاءٌ معقدة وأخرى متشعبة لم يستطع البشر حتى الآن محاولة الوصول إليها، لقد أفنى العلماءُ  حياتهم بحثًا عن الأسرار بداخلي ولكنّ الإنسان لم يعرف أسراري حتى الآن، هل تتخيلي ذلك؟ إنني أتحرك بحركة ثابتة و مرسومة المعالم، أنا الأحجياتُ بداخلي صعبة التركيب لذلك الإنسان على بساطة أفكاره الآن غيرُ قادرٍ على فهمي بعد! ماذا عنك ياعاطفة؟

اتكأت العاطفة مستندةً على ظهرها بجذع الشجرة الضخمة وكأنّ قوة الأخيرة الهائلة قد عبثت بها ما جعلها تسترسلُ بكلامها قائلة: أنا دورةُ حياة الإنسان، أينما ولّى وجهه فأنا أتبعه لا أتبع قواعد محددة ولا قوانين صارمة ولكنني أستلهمُ من اللحظة وأقتاتُ عليها حياتي، إنها أنا، بإمكانك أن تقول أن الوقت هو القائد الذي يحركني ولا يدع لي مجالاً للتوقف، أنا مسيرةً ياعقل لا مجال لقيادة التحكم داخلي، أجبني ياعقلُ، لماذا تعيشُ مختلفًا عني؟

أدارُ العقلُ وجههُ ناحيتها مطأطأ رأسه وقال: خُلقنا مختلفين لننسجم معًا بجانب بعضنا، تؤدين دورًا بينما أكمل مانقص منك أو تركتيه لي، أفيدكُ علمًا بأن لا مجال للهرب مني فأنا أتبعك حيثما وجهتي، وأنصحك أن لا تتركي بابي مواربًا وإلا فستحملين بمسؤوليات لا طاقة لك بها ولا جمل، اهربي ياعاطفة إلى حيثُ تنمين دائمًا، ولا تهربين إلي فلا نجاة مني أبدًا، ستغرقين في بحر لا عمق له، وستندمين بأنكِ تركتِ الدور الذي خلقِ لأجله!

ارتعبتْ العاطفة من تعاويذِ العقل التي لا تنتهي، ما إن سكنت هادئة حتى بدأت ضرباتُ قلبها بالخفقان سريعًا، وحاولت بحثًا تحسس الماديات بجانبها حتى تضرب العقل بها ولكنها قررت الركض بعيدًا خلف لاشئ، استجمعت قواها وأخذت تركض تسابقها ذرات الهواء العليل حتى أوقفها لهاثها عند حجر صغير، التقطه بلا أدنى فكرة تذكر، وقبضت بها على يدها طويلًا.

****

تبعها العقلُ مغتاظًا وقد قطب حاجبيه، ولم يعرف بعدُ ما الذي تفعلهُ بهروبها منه، قبض على ذراعها بكل قوته وقد حذرها بقوله: حذارِ من تصرفاتكِ ياعاطفة، لا تجعلي مجرى التيار يجرفك بعيدًا عن مسارك، ما أبهاك وأنتي على طبيعتك، تترائين أمامي كالحملِ الوديع الذي لايود مبارحة أرضه، كفاك غرورًا بنفسك وتوقفي، هيا هذا أمر!

صرخت العاطفة صرخةً تقطعت لها أوتار العقلُ اللاوعي بداخله حتى بدأ يترنح محاولاً استعادة وعيه، ولكنها العاطفة من جديد وقد أمسكت به حتى تسنده عليها، وقالت: أنا اسفة ياعقل لقد أكثرت اللوم علي، سممتني كلماتك حتى أصبحتُ غير قادرة على مواصلة مهامي الآن أنا أستقيل من مشاعري و أحاسيسي، لا أريد الحياة أنا جبانة ولا أكترث أرجوك، فخذ عني مالا أستطيع تحمله.

بعينين غائرتين وقف العقلُ مندهشًا تصرف العاطفة وقد انهارت بلا سبب يعقله ولا يستوعب مكنوناته الداخلية، لمح سريعًا ذلك الحجرُ الصغيرُ بيدها فتابعَ قائلاً: هذا أنتي لم تتغيري، أجيبي الآن دعينا ننهي كل هذا أحتاجُ جوابًا واحدًا صادقًا لماذا تمسكين هذا الحجر؟

خنقت العبرات حجنرة العاطفة وسقط ذلك الحجر غفلةً من يدها وانفجرت بالبكاءِ كالطفل الذي قرر أخيرًا أن يستسلم بإنهاء فعلته، أخذ العقلُ بيدها وضغط عليها طويلاً قائلاً: ألسنا بحاجة فعلية للسلام بيننا، دوركِ لن يتغير عندي مهما فعلتي ستظلين كما كنتِ دائمًا وسأكون أنا الذي ينتظرك في النهاية حتى تدعيني أكمل عنك هذا العبء الثقيل.

تجمدتْ العاطفة وتصلب العقلُ كما لم يكونا من قبل وعلى إثرها انطبعت واحدة من أسمى العلامات على وجه التاريخ لقد التقى العقل والعاطفة بقبلة واحدة وانقطع الحديثُ بينهما.

Advertisements
Featured

The Game of Death

I’ve woke up today with a hectic pain around me, above my cheeks and around my eyes, I think it’s almost the beginning, I felt your gate will be able to pull  me into it, I’v matched a blue trouser with a grey t-shirt and they are matched together as always wanted if you were her.

I took the PlayStation’s joystick and with one stiff push, I’ve started the game at the first level as I often do, even If I knew how to skip all these shit on screen, but It’s you again, your face has shown on my TV, smiling at me softly, I’ve shaken my head but you weren’t going away, I’m trying to move my face to the right side and perhaps I’m dreaming now, as I’m always do.

I’ve grabbed the phone pressed the longest number that I ever have known, by a familiar comfortable voice said: Hello, boy! , I continue as nothing has happened few minutes before, then after an hour, I hang up with no idea what I’m doing .

Shortly, after two seconds, I feel a strange touch on my back, I turned around looking, but there was nothing, I’m gathering all of me by hugging myself and I cried Until I heard your voice whispering to me ”Hey, I’ve missed you ”

Email:mashael.ghonaim@gmail.com

Featured

What is the beginning really means?

1CE4EA5B-A8DB-47CB-AE61-7B188D02A2FF

The Question

Millions of times ago there was a weirdo organism live their lives quite good between their families and friends as we had on our earth planet.

Someday the organism called “Kraker” who used to be curious about what organism do today and every day, he asked his father for a favor, which means to give him every answer for his questions, so suddenly his father refused it with much more of respect by saying:” I’m sorry son As you know your father is a businessman and I have to be on a plane to avoid waiting for another journey. No more of wasting time my son, bye.

Kraker” left his father with heartbroken and hundred questions which born every day, he thinks about the one person who will say” NO” for him, he runs fast to his mother, and he asked her for the previous favor and she said: oh, my little tell me, what does the question be?

”Kraker” Mum I knew that you hiding about me how do we create?

Mum:oh my lord my little bae, you have not say that.go play outside with your small fluffy dog, then she grabbed him by his shoulder to the dog.

”Kraker” sitting outside at the back yard on his knees and turned his back to the dog while he tickles his cheekbones, then ”Kraker” started to say: you are the last and the only one who I would request him, so do you accept it?

Do you think you will be the same as you If you have a choice to choose your life?

Do you feel about me as I feel you now?

When and why do we have to be prepared to the end of the life journey?

Why do mummy and daddy scare by asking them for a favor they can accept it?

Are we alone on the planet that I forgot what they called with?

About my teacher, she’s always teaching us to stop trying to know a strange thing?

I don’t know why did my colleagues are jealous of me what to try to do?

Oh! Sorry fluffy dog I’ve been asking too much to you, then when “Kraker” decided to say goodbye to dog and turning around to the door, the dog started to parking so louder then after a quick second of time, the dog has jumped so fast and come on the “Kraker”s back to bite..

Featured

مشهد أول

في غرفة مظلمة تقع في أعلى دور من بنايةٍ شاهقة في وسط المدينة يتعالى صوتُ نحيبٍ متقطع، لا شيء سوى ظلام دامس يعمُ المكان، حيث الأشياء ساكنة ولا تتحرك، غير ذلك الجسد المُسجّى على السرير، تستفيقُ ليلى من حالة البكاء التي جعلتها ضحية لقدرها الذي شارف على نهاية سوداوية.

ترفعُ ليلى السماعة، وهي تتابع بأنفاس متقطعة، وصوت بكائها المبحوح لا يزال يترك آثارًا على حنجرتها التي لم تتمالك نفسها حتى تستمع للمتحدث.

المتصل: أهلًا سلمى! سلمى؟ ماذا حدث؟ أجيبي؟ لماذا تبكين؟

أخرجت ليلى من فمها شهيقًا طويلًا، وانفجرت سريعًا بالبكاء، هذا ما كانت ليلى بانتظاره، سؤال ربما يبدو عابرًا، لكنها كانت بحاجته؛ ردت ليلى وهي تكاد تصف الكلمات على بعضها: م ا تت أ م ي، وأغلقت السماعة، وغرقت في بحرٍ من الدموع.

في النصف الآخر من المدينة يجلس وديع في مقهى، وبعد أن اعتدل في جلسته أخذ يقلبُ الأرقام في هاتفه المحمول حتى يجد رقم أخته سعاد، اتصل عليها سريعًا، وأثناء انتظاره سمع صوت سعاد، وتحدث قائلًا: سعاد، أجيبي، لا أملك وقتًا، حُذفت جميع الأرقام التي خزنتها سابقًا في هاتفي، ما الذي حدث لسلمى؟ لماذا تبكي؟ هل حدث لكم مكروه؟ أجيبي بسرعة! ردَّت سعاد مستنكرة: مرحبًا وديع، ما بك؟ أنا أجلس الآن على طاولة العشاء مع أمي، وبجانبي سلمى، عمَّ تتحدث؟ يبدو أنك كنتَ مخطئًا!

أغلق وديع السماعة من غير أن ينبس ببنت شفة، وعلامات الذهول بادية على وجهه، من كان صاحب الرقم الذي اتصلتُ به؟ ومن التي كانت تبكي؟ ولماذا أنا؟

يتبع..

ضحيةُ حرب

6B22C1D3-F2E4-4C33-B102-28DECF8C8C33

طنينٌ شديد توقفت أذناي بسببه عن السمع لمدة ثلاثين ثانية حاسمة في حياتي لم تكن الصورة واضحة أمامي لاشئ سوى عتمة غير واضحة المعالم تنفستُ غبار الاسمنت الذي اصطبغ على يديّ وملابسي، استحالت الألوان في عيني إلى رماد لم أعد أميز ماأرى هل مايحدث حقيقة أم أنه مجرد خيال؟ سحبتُ يدي اليمنى وبدأتُ أتحسس نبضات قلبي أنا موجود، حمدلله لم أمُت بعد أخذت ضربات قلبي بالانقباض لم يكن حلمًا كان حقيقة، تعالت أصوات الصراخ والبكاء ممن حولي أطفال ونساء وكبارٌ في السن، لم يكد باستطاعتي تمييز الوجوه فجميع من رأيت كان يتهأوه ويأن، مطروحة أجسادهم على الأرض، انشل لساني عن الحديث وتقلصت عضلات معدتي، أمسكتُ بقميصي وأخذتُ أعصرهُ بقبضة يديّ صرخات تتدافع بداخل روحي وعبراتي بدأت تخنقني حتى ظننتُ أني سأختنق، صرختُ بأعلى صوتي: أنا حيّ!

لم يستوعب من حولي ماتفوهت به ولكنهم انشغلوا بجروحهم ودمائهم التي سُفكت على هذه الأرض الطاهرة، لا جريمة ولكن هناك جانٍ لم يظهر وهناك معتدى عليهم كثر، لم يقترفوا ذنبًا سوى أنهم انتموا لهذه الأرض وعاشوا من خيراتها ولها يعملون كل يوم.

طويتُ برجليّ الأرض التي لطالما لعبتُ تحت شجرها وتعلمتُ على يديها حتى قتلتُ شيطان الجهل، مسحتُ على وجوه العابرين وأنا أتذكرُ كلمات أبي عن الوطن التي لطالما خلّد أمجادها: “أن العدو لن يقوى ولو رمى وأن الظالم لن يعيش طويلاً ولو طغى وتجبر”، لم أستطع إبصار وجوه عائلتي ولكنني قفزتُ درجات السلم نزولاً بحثًا عن حياة تحت قبوٍ اجتمعنا أنا وثلة من الناجين الأحرار فيه، غير أنه لا يوجد مايهيئ للعيش هناك يومًا اخر.

أغلقتُ عينيّ وأنا لا أريدُ من الحياة حياة، استسلمتُ للموت وأنا أسندُ راحة يديّ على الأرض بلمسة واحدة علها تذكر أني واحد من البشر الذين عاشوا هنا بين جنباتها وقاوموا الموت على أرضها بتفانٍ على أن يفضلوا العيش هربًا كفارين من الحرب.

بدأت ضربات قلبي بالانخفاض شيئًا فشيئًا حتى سمعتُ أصواتًا أعتدتُ أن أسمعها، بدأ الضوء يتسلل على جفنيّ وصوت أمي يتردد على مسمعي وكأن شيئًا لم يكن مانعتُ نفسي حتى أفتح عيني، ولكنني استفقتُ على سقف غرفة منزل !                                   لقد كان حُلمًا وكنتُ ضحية حرب

الأكثر إخافة في الوجود

لا أعلم من يمتطي جواد كلماتي الآن وما أنا بصدد الحديث عنه ولكنني بقدر انقطاعي الذي دام حوالي الشهر لازلتُ أدرك حقيقة واحدة فقط غير قابلة للتفكير ولا للتراجع، أن المفردات قد سرقت مني ما الأيام بحاجة له، أن الأكسجين وإن كان هو مصدر الإنسان الأول للحياة فإنني أعتبر الكلمات بل والعبارات المقروءة هي الحياة الأخرى التي لم يجرؤ كائنٌ عليها إلا واستحالت حياته إلى إدمان، يتمكن الخوف من قلب المؤمن الضعيف وإن كنتُ أشكك بحقيقة ومصداقية إيمانه، تعرينا الكلمات بل وتفضحنا وإن لم نأبى على إظهار حقائقنا الداخلية ولكن الدوافع شاء الإنسان أو أبى أن تظهر على هيئة مشاعر مبتذلة أو كلماتٍ جارحة أو نظرات دونية، الخوف من الحقيقة هو مايجعلنا نختبئ في دهاليز النسيان حتى نتمكن من ارتداء أقنعة تواءم تمثيل أدوارنا على مسرح الحياة، لن يهيمن على هذا الوجود الحق ولو حاولنا رفع القلم قبل السلاح ولكن سؤالٌ واحد قد يجرد الجميع من ماهيته، من أنت؟

أنتِ

DF4FFE5D-83F4-4A93-A2E5-1730295515B9.jpeg

بعد أربعة أيام من وصول الرسالة إلى وديع بلا ردّ؛ كانت ليلى في الجهة المقابلة من المدينة بانتظار رده، لقد استغربت تأخر وصول الرسالة كثيرًا؛ كونه يقوم بالرد سريعًا على رسائلها ما إن تصل، ولكن إحساسًا بداخلها أن شيئًا ما ربما قد حدث، قررت ليلى بعد تفكير طويل أن تترك منزل والديها حيث وصلت إليه قبل عدة أيام، والعودة أدراجها إلى المدينة حيثُ الغرفة التي كانت تسكنُ بها، والمكان الذي التقت به وديعًا هناك، اختارت أن تسافر هذه المرة عبر القطار، كان الجو مُلبدًا بالغيوم، لم يكن نهارًا عاديًّا، كان شعورًا عارمًا يخلتجُ بداخلها، ربما هي بداية الطريق، أو حتى النهاية التي ستضع نقطة عندها لتقف.

دخلت ليلى إلى المحطة حيثُ قررت أن تستقل أولى رحلات القطار المتجهة إلى المدينة، اعتادت ليلى إحساس الجوع؛ فهي لم تأكل طعامًا منذ أن وصلت إلى منزل والديها في القرية؛ حيث كانت جلّ ما تحرص على إبقائه في بطنها بضعُ رشفات من الشاي مع خبز مُتَبَقٍّ حملتهُ معها إلى المنزل، ولكن رائحة الخبز والشطائر لم تتركها فريسة للجوع هذه المرة؛ حيث ابتاعت لها إفطارًا من محل يبيع خبزًا و شطائر دجاج مشوية، لقد كانت رائحتها كافية بأن تعيد الشهية لليلى بعد أيام خالية من التفاصيل ومن الذكريات، اختارت أن تجلس قريبًا من نوافذ المحطة المطلة على سكة القطار، لقد كان قطارًا مهترئًا تكاد ترى صدأ عجلاته وهي جالسة، ولكن أصرّت على ركوبه وتجربة السفر من خلاله، فتحت كيس الشطيرة الذي داهمها برائحة توقفت أمامها لدقيقة وهي تتأمل، لقد سحبت الشطيرة من الكيس ذي الملمس الكرتونيّ كلص يحاول سرقة قطعة ثمينة من المجوهرات في خزنة، أحاطت بها بين ذراعيها، وتردد صوتٌ بداخلها كان يرنّ في أذنيها: أنت وحيدة! عديمة الفائدة! لا وجود لك، سقطت قطعة الشطائر من يدها على غفلة، هذا ما كان يمنع ليلى دائمًا من المواصلة في المُضُيّ قدمًا، لقد منعها البؤس واليأس الذي تراكم بداخلها حتى شكّل كيانًا آخرَ قادرًا على قتلها، بل على زرع بذور الموت وهي حيَّة.

وقفت تتأمل القطعة وهي ساقطة على طاولة الطعام، رفعت رأسها فإذا بالقطار يتحرك تقدمًا نحو وجهة لا تعلمها، مسحت بعينيها وجوه الركاب وهم جالسون بانتظار مصير آخر يأخذهم إليه هذا القطار، رمقت ليلى شطيرتها، وأمسكت بها وحشرتها في فمها، وما زال الصوت يتردد، لقد كانت تتناول شطيرتها بينما تمسح الدموع التي كانت تغطي عينيها.

بعد ساعة من الانتظار ارتفع صوت النداء الأول للرحلة المتوجهة إلى المدينة، حيث وقفت ليلى وهي تنظر للقطار، وصوت يعلو بداخلها: يا لها من خردة بالية! تحاول العيش بينما لا حياة فيها مثلي تمامًا! ركبت ليلى في مقعدها، وتحرك القطار إلى المدينة.

أثناء وصولها كانت أشعة الشمس قد بدأت في الغروب، وأعلن الليل إسدال ستاره، كان وقتًا مناسبًا للمشي على الأقدام لتتوجه فيه ليلى إلى الغرفة التي كانت تسكنها، أثناء وقوفها أمام المبنى كان الحارسُ متكئًا على يده موجهًا بصرهُ باتجاه الأرض ومحنيّ الرأس يستمعُ للمذياع بجانبه، اقتربت ليلى وهي تمشي كأنها تجرُّ رجليها جرًّا؛ سألت الحارس عن وديع، وما إذا كان قد ترك شخص ما رسالة لها، ولكن المفاجأة كانت أن ناولها الحارس ورقة مطوية قام شخص بتسليمها للحارس لإعطائها إلى ليلى، أمسكت ليلى بالورقة بين يديها وفتحتها، وقرأت ما بداخلها، وقد كُتب: إلى المحترمة ليلى… بعد أيام من فتحك للرسالة سأكونُ قد انتقلتُ فعليًّا إلى المنزل الذي أود العيش فيه مع شريكة حياتي التي اختارت أمي أن أحبها، لقد عنيتِ حقًّا ما قلتيه بأني لن أراك، وصدق ما كنتِ تنوين فعله، لا أعلم ما الدافع الذي تحدثتِ عنه سابقًا؛ كوني كنتُ أركض خلف رسائلك ساعيًا لك، لكنّ رسالتك الأخيرة أيقظتني يا ليلى، أنا مدين لك بكل ما أملك، وأود إشعارك بأني لا أنتظر ردًّا على هذه الرسالة، هذه حياتك وأنا خضتُ فيها، ودخلتُ كالسارق الذي أراد أن يغتصبَ حقًّا ليس له، لقد غمرتني الدهشة بعد سماعي لقصتك، ولكِ أن تكمليها بما شئتِ، الأيام بين يديك، وأنتِ الكاتب الذي سيختار نهاية لقصته، أنا أعتذر إن نقبتُ عن ذكريات لا ترغبين في استرجاعها، وحقًّا أشعر بحجم الفقد الذي ترك آثاره على حياتك، وفي صحتك.

لا تدعي ما بداخلك يقتلك قبل أوانه، لقد قررتِ أن تكملي لي قصتك بعد كتابة جوابي، وأود أن أكمل ما بقي من حياتي مع سلمى التي بدأتُ معها كل شيء، لقد اختارنا القدر سويًّا، ولكن سيظل قراري هو أنتِ.

-تمت-

القرار

بدأت قصتي معك يا وديع عندما استقبلتُ الاتصال الأول منك، هل ما زلتَ تذكر؟ لقد بادرتَ أنت أولًا بالاتصال بي، ولو كنتَ مخطئًا! ولكن القدر لم يخطئ طريقه إليَّ أبدًا. أنت إنسان بطبيعتك، والإنسان يميل لما جُبِل عليه بالفطرة، لقد استمعتَ إليَّ طويلًا، ومضيتَ معي حتى هذه اللحظة.

بعد لقائي الأول بك هربتُ، وتركتُ الغرفة التي أسكنُ بها، ولكنني ترددت وتركتُ جوابًا أخيرًا؛ لعلك تفرُّ من قدري مثلما فررتُ أنا دائمًا، ولكنني صُدمت بحقيقة أنك تريد معرفة الكثير عني، بل تحاول سؤال المستأجر عني! لا أدري ماذا يعني أن تحاول اللحاق بي، وخلفك من ينتظرك ساهرًا؟ لقد عشتُ حياتي منبوذة، لا أنتمي لعائلة، ولا لنسب، ولا لقبيلة، ولا حتى لأصدقاء، سأمضي بعيدًا إن لم ترغب في أن تخوض معي طويلًا، ولن تعرف سلمى بحقيقة شيء أبدًا، أما إن كنتَ تريد المواصلة فلا مانع لديّ؛ لقد خسرتُ أغلى ما أملك، لستُ أهرب خوفًا من شيء أحاول الحفاظ عليه، ولكن وبالرغم من كل هذا فأجدُ أن هناك حائلًا يحولُ بيننا، فإما هي أو أنا؟

يتبع..